ابن يعقوب المغربي

163

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

التعبير فيستغنى عن ذلك المفرد بأخذ الحالة التركيبية من مجموع ما في اللفظ المركب فلا يكون ثم لفظ هو المشبه به محقق ولا مقدر ، واحترزنا بقولنا ولم يعبر عنه بمفرد عن مثل قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً " 1 " فإن المشبه به فيه مركب عبر عنه بلفظ المثل فولى المشبه به الكاف بخلاف ما لم يعبر عنه بالمفرد ، ولا اقتضى الحال تقديره ، بل استغنى عنه بما في ضمن مجموع اللفظ فلا يلي الكاف فيه المشبه به ( نحو ) قوله تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ ) مِنَ السَّماءِ " 2 " الآية ، أي : بين لهم صفة الحياة الدنيا أو صير لهم صفة الحياة الدنيا ، فعلى التقدير الأول يكون كماء في موضع الخبر لمبتدأ محذوف ، أي : هي كماء ؛ لأن اضرب لم تتعد إليه ، وعلى الثاني يكون في موضع المفعول وعلى كل تقدير فليس المراد تشبيه حال الحياة بماء موصوف بما ذكر ولا بمفرد آخر يتمحل تقديره ؛ لأن تكلف التقدير إنما يرتكب لموجب ، وحيث وجد في الكلام ما يغنى عنه ألغى ، وههنا الحالة المفهومة من مجموع اللفظ أغنت عن التقدير وهي كون النبات بعد نزول الماء من السماء شديد الاخضرار والنضارة ، ثم بإثر ذلك الاخضرار ييبس فتطيره الرياح فيصير المكان خاليا منه ، ويكون منعدما كأن لم يكن ، وهذه الحالة المفهومة من مجموع اللفظ من غير حاجة لتقدير ، أعنى حال النبات المضمحل بعد النضارة والاخضرار هي التي شبهت بها حالة الدنيا في بهجتها ، وإمالة القلوب لها ، ثم يعقبها الهلاك ، ووجه الشبه وجود التلف ، والهلاك بإثر الإعجاب والاستحسان والانتفاع ، والعاقل من لا يغتر بما كان بتلك الصفة ، وإذا كانت هذه الحالة هي المشبه بها ، وقد استفيدت من مجموع اللفظ صح التشبيه باعتبارها من غير مبالاة بأي لفظ يلي الكاف من مجموع اللفظ المفيد مجموعه لها ، ومن زعم أن هناك تقدير المثل أيضا ، أي : كمثل ماء أنزلناه الآية ، وأن الكاف مع ذلك التقدير مما لم يلها المشبه به فقد سها ؛ لأن المصنف في الإيضاح صرح بأن الموالاة ، أعنى موالاة المشبه به للكاف ، أعم من أن تكون لفظا أو تقديرا ،

--> ( 1 ) الجمعة : 5 . ( 2 ) الكهف : 45 .